جدل صلاة اليهود في مراكش: بين الصلاة والرمز

 

صلاة الحريديم

لم تكن واقعة صلاة مجموعة من اليهود الأرثوذكس في أحد الفضاءات المفتوحة بمدينة مراكش مجرد حادث عابر كما حاول البعض تقديمها، ولا “استفزازا منظما” كما ذهب إليه آخرون. ما حدث في العمق هو لحظة كاشفة، وضعت المجتمع المغربي أمام مرآة تعكس توترا كامنا لم يحسم بعد: التعايش بين هوية متعددة تاريخيا، وسياق سياسي إقليمي مشحون، وسؤال التطبيع الذي لم يجد بعد توازنه داخل الوعي المجتمعي المغربي الجماعي.

اللافت أولا لم يكن الحدث نفسه، بل طريقة تدبيره رسميا. اختارت الدولة الصمت، وهو صمت ليس دليلا على غياب الموقف، بل تعبير عن استراتيجية مألوفة في إدارة القضايا الحساسة: تقليل الضجيج لتفادي تحويل واقعة محدودة إلى أزمة وطنية أو دبلوماسية. في الحسابات الباردة، قد يبدو هذا الخيار ناجعا، لكن في زمن الشبكات الاجتماعية، حيث يتحول أي فيديو إلى قضية رأي عام خلال ساعات، يصبح الصمت أحيانا فراغا تملؤه التأويلات، لا أداة لضبطها.

سياسيا، بدا المشهد أكثر تعقيدا. الأحزاب لم تدخل المعركة، بل وقفت على الهامش. شخصيات وازنة مثل عبد الإله بنكيران بدت حذرة، وكأنها تدرك أن أي موقف حاد قد يضعها في مواجهة مع أحد ثوابتها: إما الدفاع عن القضية الفلسطينية، أو احترام التعدد الديني الذي يشكل جزءا من الهوية المغربية.

 النتيجة كانت خطابا رماديا، يجنح إلى التأجيل بدل الحسم. في المقابل، لم يملأ التيار الحداثي الفراغ بخطاب سياسي قوي، بل ترك المجال أساسا لنقاش نخبوي محدود يدافع عن حرية المعتقد دون أن يلامس حساسية اللحظة.

الإعلام بدوره لم يكن على قلب واحد. بعض المنابر، اختارت مقاربة تفسيرية، حاولت تفكيك الحدث وتقديمه في سياقه الديني والسياحي، في محاولة واضحة لنزع الطابع “المؤامراتي” عنه. في المقابل، فضلت منصات أخرى لغة الإثارة، بعناوين تضخم الغرابة وتربط الحدث بسياقات سياسية أكبر، ما ساهم في رفع منسوب التوتر بدل تهدئته. لكن الحقيقة أن التأثير الأكبر لم يكن للإعلام التقليدي، بل لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث انفجر النقاش خارج أي تأطير مهني، وتحول إلى ساحة مفتوحة للمواقف الحادة، من الغضب إلى السخرية.

غير أن قراءة الحدث من زاوية إعلامية أو سياسية فقط تظل قاصرة. جوهر المسألة رمزي بالأساس. ثلاثة عناصر تداخلت لتصنع هذا الجدل: المكان، الشكل، والتوقيت. الصلاة في فضاء عمومي أمام سور تاريخي أعطت المشهد قوة بصرية غير مألوفة؛ أداء الطقوس بشكل جماعي خارج أماكن العبادة المعتادة كسر القواعد الضمنية التي ينظم بها الفضاء الديني في المغرب؛ أما التوقيت، في ظل استمرار تداعيات اتفاقيات أبراهام والتوترات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، فقد حمل الحدث أكثر مما يحتمل دينيا.

هنا تحديدا، يتجلى التناقض المغربي العميق: بلد يتفاخر بتعدديته الدينية، ويعيد ترميم معابده اليهودية، ويقدم نفسه نموذجا للتسامح، وفي الوقت نفسه يحتفظ بدعم شعبي واسع للقضية الفلسطينية، ورفض لأي مظهر قد يفهم كتطبيع مفرط أو استفزاز رمزي. هذا التوازن الدقيق يشتغل في الظروف العادية، لكنه يهتز عند أول حدث بصري قوي، كما وقع في مراكش.

السؤال الحقيقي الذي طرحته الواقعة ليس: هل من حق مجموعة دينية أن تصلي؟ بل: من يحدد حدود التعبير الديني في الفضاء العام، عندما يتحول هذا التعبير إلى رمز سياسي في نظر جزء من المجتمع؟. في هذه النقطة بالذات، لم يكن هناك جواب واضح، لا من الدولة ولا من الأحزاب ولا من النخب.

ما كشفته واقعة مراكش هو أن ملف التطبيع في المغرب لم يحسم مجتمعيا، وأن إدارة التعدد الديني لم تعد مسألة تراثية أو ثقافية فقط، بل أصبحت مرتبطة بإدراك جماعي متغير، يتأثر بالصورة واللحظة والسياق الدولي. تجاهل هذا التحول أو الاكتفاء بتدبيره بالصمت قد ينجح مرحليا، لكنه لا يمنع تكرار نفس الجدل مع كل حادثة مشابهة.

في النهاية، لم تكن صلاة عابرة هي التي صنعت الأزمة، بل الفراغ الذي كشفته: فراغ في التأطير، في الخطاب، وفي القدرة على إنتاج سردية وطنية متماسكة توازن بين التاريخ والسياسة، بين الهوية والانفتاح. وهذا فراغ، إن لم يملأ، سيظل قابلا لإعادة إنتاج نفس التوتر، مرة بعد أخرى.

إرسال تعليق

أحدث أقدم