الاحتقان في المغرب.. من رد فعل عابر إلى أزمة ثقة متراكمة
لم يعد ممكنا اختزال ما يعيشه المغرب اليوم في كونه موجة عابرة من التذمر الاجتماعي أو رد فعل ظرفي على صعوبات معيشية مؤقتة. بل إن ما يتشكل في العمق هو شيء أكثر تعقيدا يتجسد في حالة احتقان تتغذى من تراكمات طويلة، وتكشف عن فجوة آخذة في الاتساع بين مجتمع يطالب بالإنصات، وسلطة لا تبدو دائما في مستوى هذا الطلب.
هذه الفجوة لا تقاس فقط بالمؤشرات الاقتصادية أو الاجتماعية، بل تتجلى أساسا في الإحساس العام لدى المواطنين بأن صوتهم لا يجد الصدى الكافي داخل دوائر القرار. ومع كل مطلب لا يستجاب له، أو يقابل بالتأجيل أو التبرير، يتعزز هذا الإحساس تدريجيا، ويتحول من انطباع إلى قناعة.
فالمشكلة هنا ليست في وجود مطالب اجتماعية، فذلك أمر طبيعي في أي مجتمع حي، بل في كيفية التفاعل معها. حين يغيب الإنصات الحقيقي، ويتراجع النقاش العمومي، يصبح الاحتقان تعبيرا عن خلل أعمق من مجرد أزمة ظرفية، خلل في العلاقة بين المجتمع والدولة.
وفي هذا السياق، لم يعد المواطن ينتظر حلولا فورية بقدر ما ينتظر إشارات تفيد بأن صوته مسموع، وأن مطالبه تؤخذ بجدية. لكن حين تغيب هذه الإشارات، يتحول الإحباط إلى حالة عامة، ويفقد النقاش العمومي جزءا من معناه.
هنا تحديدا، يبدأ الاحتقان في التحول من رد فعل مؤقت إلى حالة بنيوية، تنذر بأن الأزمة لم تعد في الظروف، بل في طريقة إدارتها.
