شريان العالم المنقطع: ماذا بعد إغلاق مضيق هرمز؟

مضيق هرمز

تبحث مراكز الدراسات الأمنية والاقتصادية في "السيناريو الكابوس"، وهو ما يعرف بـ "اليوم الأول لإغلاق مضيق هرمز"، حيث لن تقتصر التبعات على صراعات محلية، بل ستطال رغيف الخبز في أقصى بقاع الأرض.

يواجه الاقتصاد العالمي خطر الشلل التام في حال تنفيذ تهديدات إغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الذي يعبر من خلاله نحو 21 مليون برميل نفط يوميا، أي ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي. وإغلاق هذا "الخناق" الجيوسياسي لن يكون مجرد مناورة عسكرية، بل "انتحارا اقتصاديا" يضع العالم أمام معادلة أمنية صفرية.

ستقفز أسعار النفط فور إعلان الإغلاق إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، حيث يتوقع خبراء الطاقة أن يتجاوز سعر البرميل عتبة 150 إلى 200 دولار خلال ساعات. هذا الارتفاع الجنوني سيؤدي إلى "تسونامي" تضخمي يضرب سلاسل الإمداد العالمية، ويرفع تكاليف الشحن والإنتاج في الصين وأوروبا والولايات المتحدة، مما قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود أعمق من أزمة 2008.

كما ستتحرك الأساطيل الدولية بقيادة الولايات المتحدة والقوى الإقليمية لفرض "منطقة عمليات عسكرية" لتأمين عبور الناقلات. الخبراء الميدانيون يؤكدون أن عملية "تطهير" المضيق من الألغام البحرية والزوارق الانتحارية قد تستغرق أسابيع، وهي فترة كافية لانهيار بورصات عالمية واختفاء مخزونات وقود في دول تعتمد كليا على نفط الخليج، مثل اليابان وكوريا الجنوبية.

وتتسابق دول المنطقة لتفعيل "الخطوط البديلة"، مثل خط أنابيب شرق-غرب السعودي وخط "حبشان-الفجيرة" الإماراتي، إلا أن هذه البدائل لا يمكنها استيعاب أكثر من 40% إلى 50% من الكميات التي كانت تمر عبر المضيق. هذا العجز سيخلق صراعا دوليا على "الأولويات"، حيث ستسعى القوى الكبرى لتأمين حصصها من النفط المتبقي بأي ثمن.

كما تبرز المخاوف الأمنية من تحول "حرب الناقلات" إلى صراع إقليمي مفتوح، حيث لن تكتفي الدول المتضررة بالتفرج على خنق اقتصاداتها. كما أن إغلاق المضيق يعني بالضرورة "إعلان حرب" صريحا، سيؤدي إلى إعادة رسم الخارطة السياسية للمنطقة، وتغيير قواعد اللعبة الدولية تجاه الجهة التي تجرأت على قطع شريان الحياة عن كوكب الأرض.

البدائل اللوجستية التي تكسر "فيتو" مضيق هرمز:

تسابق دول مجلس التعاون الخليجي الزمن لتعزيز شبكة معقدة من خطوط الأنابيب والموانئ التي تلتف حول مضيق هرمز، محولة التهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاق المضيق إلى "سلاح بلا رصاص". هذه الاستراتيجية الدفاعية-الاقتصادية تهدف إلى ضمان تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية عبر طرق بديلة تتجاوز نقاط التوتر.

ويبرز "خط أنابيب شرق-غرب" السعودي كأهم صمام أمان في المنطقة؛ إذ يمتد لمسافة 1200 كيلومتر من حقول المنطقة الشرقية وصولا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. هذا الخط قادر على نقل نحو 5 ملايين برميل يوميا، مع وجود خطط توسعية لرفع هذه القدرة إلى 7 ملايين برميل، مما يعني تحييد خطر إغلاق المضيق عن جزء ضخم من الصادرات السعودية.

كما تستكمل دولة الإمارات هذا الطوق الأمني عبر "خط أنابيب حبشان-الفجيرة"، الذي ينقل النفط من حقول أبوظبي مباشرة إلى المحيط الهندي عبر ميناء الفجيرة. هذا المسار الاستراتيجي يتيح تصدير نحو 1.5 مليون برميل يوميا بعيدا عن مياه الخليج الضيقة، مما يعزز من مكانة الفجيرة كواحد من أكبر مراكز تخزين وتزويد السفن بالوقود في العالم.

وتتحول الأنظار أيضا إلى سلطنة عمان، التي تمتلك موقعا جيوسياسيا فريدا خارج المضيق تماما. الربط السككي والأنبوبي بين دول الخليج والموانئ العمانية، مثل الدقم وصحار، يمثل "الرئة الثالثة" للمنطقة. كما أن هناك دراسات جدية لربط حقول النفط في الكويت والعراق بشبكة أنابيب تتجه جنوبا نحو موانئ عمان واليمن، في حال استقراره، لتكون بمثابة شبكة أمان جماعية.

تظل العقبة الوحيدة في هذه البدائل هي "القدرة الاستيعابية الكاملة"؛ فبرغم ضخامة هذه المشاريع، إلا أنها لا تستطيع حاليا تعويض كامل الـ 21 مليون برميل التي تمر عبر هرمز يوميا. ومع ذلك، فإن وجود هذه البدائل يمنح العالم "نفسا" كافيا لإدارة الأزمة عسكريا ودبلوماسيا دون الانهيار الفوري للاقتصاد العالمي، مما يسحب ورقة الضغط الكبرى من يد أي نظام يحاول العبث بأمن الملاحة.

قلم يسمع 

إرسال تعليق

أحدث أقدم