كشفت دراسة حديثة أصدرها المعهد المغربي لتحليل السياسات، للباحثة عائشة العمراني، أن قطاعا واسعا من المواطنين المغاربة لا يزال خارج نطاق الاستفادة الفعلية من ورش تعميم الحماية الاجتماعية بسبب ضخامة حجم الاقتصاد غير المهيكل، مبرزة وجود مفارقة بنيوية وفجوة جوهرية بين الإطار القانوني والواقع الاقتصادي للمملكة، مما يطرح تحديات حاسمة تخص قيم الإنصاف واستدامة المنظومة.
وقد أظهرت الدراسة، التي حملت عنوان "الاقتصاد غير المهيكل يتحدى برنامج الحماية الاجتماعية"، أن تحقيق إدماج فعلي ومستدام للعاملين في هذا القطاع يقتضي الانتقال من منطق التوسيع الكمي للتغطية الاجتماعية إلى مقاربة إصلاحية شمولية تربط الحماية بسياسات أوسع للهيكلة الاقتصادية، وتعزز في الوقت نفسه الاستدامة المالية للمنظومة بما يضمن التوازن بين أهداف العدالة الاجتماعية ومتطلبات الفعالية الاقتصادية.
وانطلقت الورقة البحثية من رصد تقدم ملموس حققه المغرب في توسيع التغطية الصحية خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد تعميم نظام التأمين الإجباري عن المرض ليشمل فئات واسعة من غير الأجراء والعاملين في أوضاع غير منظمة، مستدركة بأن هذا التقدم الكمي لم ينعكس مباشرة على مستوى الإدماج الفعلي؛ حيث أوضحت الباحثة أن جزءا مهما من المستفيدين الجدد يتواجدون في وضعيات مهنية هشة تتسم بعدم انتظام الدخل وضعف الاستقرار المهني وغياب الارتباط المنتظم بالمؤسسات الجبائية والاجتماعية، وهو ما يفسر ارتكاز المنظومة الحالية في كثير من الحالات على الدعم العمومي المباشر أكثر من كونها ناتجة عن مساهمات واشتراكات مستدامة من داخل النظام.
كما أكدت الوثيقة ذاتها أن الاقتصاد غير المهيكل لا يمكن اختزاله في نشاط هامشي أو ظرفي، بل يشكل بنية اقتصادية موازية داخل النسيج الوطني تستوعب ملايين العاملين في أنشطة متنوعة كالتجارة الصغيرة، والخدمات، والحرف، والنقل غير المنظم، وتتميز بسيادة الوحدات الإنتاجية الصغيرة جدا ذات الطابع الفردي أو العائلي، مشيرة إلى أن هذه البنية تتسم بضعف الإنتاجية واعتماد مداخيل غير مستقرة أو موسمية، ما يجعل إدماجها داخل منظومة حماية قائمة على الاشتراكات المنتظمة أمرا بالغ الصعوبة بالنظر إلى أن النموذج الحالي يفترض بنيويا وجود دخل قار وهيكل مهني منظم.
وقد سلطت الدراسة الضوء على التحدي المالي باعتباره أحد أبرز الإشكالات المرتبطة بورش التعميم، فمع توسع قاعدة المستفيدين ترتفع الكلفة الإجمالية للمنظومة بشكل متسارع، في حين لا تتسع قاعدة المساهمين الفعليين بالوتيرة ذاتها جراء استمرار جزء كبير من النشاط الاقتصادي خارج دائرة التصريح والاشتراك، وهو ما يضع ضغطا متزايدا على المالية العمومية ويطرح في العمق سؤال العدالة الجبائية وتوزيع الأعباء بين الفئات المختلفة، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على الميزانية العامة لتغطية الفجوة بين الاشتراكات والإنفاق الاجتماعي.
كما تطرقت الباحثة إلى دور السجل الاجتماعي الموحد باعتباره أداة مركزية في إعادة هيكلة منظومة الدعم الاجتماعي من خلال تحسين استهدف الفئات الأكثر هشاشة، غير أنها رهنت فعاليته بجودة المعطيات ودقتها وبقدرة النظام الرقمي على مواكبة واقع اجتماعي يتسم بالتغير السريع وصعوبة التوثيق، مبرزة أن العاملين في القطاع غير المهيكل يواجهون صعوبات خاصة في إثبات وضعياتهم الاجتماعية الحقيقية بسبب غياب الوثائق الرسمية أو الطابع غير المستقر للدخل، ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى إقصائهم بشكل غير مباشر من الاستفادة من برامج الدعم والحماية الاجتماعية.
وأوضحت المعطيات الموثقة في الدراسة أن عوائق إدماج العاملين في الاقتصاد غير المهيكل لا تقتصر على الجانب الإداري أو القانوني، بل تمتد إلى عوامل بنيوية أعمق مرتبطة بطبيعة سوق الشغل وسلوك الفاعلين الاقتصاديين؛ إذ يفضل جزء من هذه الفئة الاستمرار خارج الأطر المنظمة استغلالا للمرونة التي يوفرها هذا النمط من العمل وتجنباً للالتزامات الجبائية والاجتماعية، فضلا عن عوامل موازية تساهم في إبطاء مسار الإدماج مثل ضعف الثقة في المؤسسات، وتعقد المساطر الإدارية، وغياب ثقافة الانخراط في أنظمة الحماية الاجتماعية لدى بعض الفئات.
وقد خلصت الدراسة إلى أن تجاوز هذه الإكراهات البنيوية يستلزم بالضرورة الانتقال نحو مقاربة إدماجية شاملة تربط بين تعميم الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، بما يسمح بدمج فعلي ومستدام للعاملين في القطاع غير المنظم داخل منظومة وطنية تضمن العدالة والفعالية والاستدامة لجميع الأطراف.
