أعلنت جمهورية مالي، اليوم، رسميا عن قرارها سحب الاعتراف بـ ما يسمى "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية"، وذلك عقب تحليل عميق للملف وتأثيراته على الأمن والسلم في المنطقة الإقليمية.
وقد تلا وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المالي، السيد عبد اللاي ديوب، إعلان الحكومة الرسمي في العاصمة باماكو، عقب مباحثات أجراها مع نظيره المغربي ناصر بوريطة، الذي يقوم بزيارة رسمية إلى مالي بتعليمات سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
كما أكدت مالي من خلال هذا الموقف التاريخي دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب، واصفة إياها بـ "الأساس الوحيد والجدي وذي المصداقية" لتسوية النزاع المفتعل، معتبرة أن حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية يمثل الحل الأكثر واقعية.
وقد تضمن الإعلان المالي نقاطا استراتيجية أبرزها:
- تجديد الدعم لجهود الأمم المتحدة والمبعوث الشخصي للأمين العام للتوصل إلى حل سياسي.
- الالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي، وفي مقدمتها القرار رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025.
- تعميم هذا الموقف الرسمي على كافة المنظمات الإقليمية والدولية والسلك الدبلوماسي المعتمد في باماكو.
وقد جاء هذا التحول الدبلوماسي الكبير ليعزز الدينامية الدولية المتسارعة المؤيدة لمغربية الصحراء، ويكرس الدور الريادي للمملكة المغربية في القارة الإفريقية كشريك استراتيجي يسعى لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.
وتجدر الإشارة، من منطلق تحليلي، إلى أن هذا التحول الدبلوماسي لجمهورية مالي يمثل منعطفا حاسما في العلاقات الإقليمية بمنطقة الساحل والصحراء، ويمكن التوسع في تفاصيله من خلال المحاور التالية:
توقيت وسياق القرار
حيث جاء قرار باماكو، المعلن عنه في 10 أبريل 2026، في ظل دينامية دولية متسارعة لصالح الوحدة الترابية للمملكة. فقبل أيام قليلة فقط من هذا الإعلان، أعربت كينيا، يوم 8 أبريل، وغانا عن مواقف مماثلة تدعم سيادة المغرب، مما يعكس عزلة متزايدة للأطروحات الانفصالية داخل القارة الإفريقية.
المرجعية الأممية: القرار 2797
واستند الموقف المالي الجديد إلى قراءة متقدمة للشرعية الدولية، حيث أشارت باماكو صراحة إلى القرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025. حيث يعتبر هذا القرار نقطة تحول جوهرية، إذ رسخ مقترح الحكم الذاتي كخيار وحيد وأساسي للتفاوض. وشدد على ضرورة انخراط كافة الأطراف، بما في ذلك الجزائر، في الموائد المستديرة للوصول إلى حل سياسي دائم.
العمق الاستراتيجي لمبادرة الأطلسي
كما يرتبط هذا التقارب المغربي المالي بمبادرة جلالة الملك محمد السادس الرامية إلى تعزيز ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي.
فمالي، كدولة حبيسة، تطمح إلى الاستفادة من البنية التحتية المغربية، خاصة ميناء الداخلة الأطلسي، لتطوير اقتصادها. كما يعكس سحب الاعتراف رغبة مالي في بناء شراكة أمنية واقتصادية متينة مع الرباط لمواجهة تحديات الإرهاب وعدم الاستقرار في منطقة الساحل.
تداعيات القرار على المستوى الإقليمي
وقد أعلن وزير الخارجية المالي، عبد اللاي ديوب، أن باماكو ستقوم بتعميم هذا الموقف على المنظمات الإقليمية، مثل الاتحاد الإفريقي، والدولية. ويهدف هذا التحرك إلى إضعاف الجبهة الداعمة للكيان الانفصالي داخل المؤسسات القارية. وتمهيد الطريق لعقد اللجنة المشتركة الكبرى بين المغرب ومالي قبل نهاية سنة 2026، لتعزيز التعاون في مجالات الفلاحة، التكوين المهني، والأمن.
في النهاية، يمكن القول: إن انتقال مالي من "الحياد السلبي" أو الاعتراف السابق إلى "الدعم الصريح للسيادة المغربية" يغلق قوسا طويلا من التجاذبات السياسية، ويفتح بابا واسعا لتكامل اقتصادي وأمني بين شمال إفريقيا ومنطقة الساحل تحت مظلة "الحكم الذاتي".
