إن أخطر ما في التعنت ليس فقط رفض تعديل قرار، بل الإصرار على تجاهل ما يكشفه هذا القرار من دلالات. فالمطالب الاجتماعية، حتى البسيطة منها، لا تقاس فقط بمضمونها، بل بطريقة التفاعل معها.
فحين يقابل مطلب ما بالصمت، أو بالتبرير المتكرر، أو بالتسويف، فإنه لا يختفي، بل يتغير معناه. يتحول من مطلب جزئي إلى مؤشر على غياب الإرادة في الإصغاء. ومع كل مرة يتكرر فيها هذا السيناريو، يتآكل رصيد الثقة بشكل تدريجي، إلى أن يصل إلى نقطة يصعب معها استعادته بسهولة.
وفي هذه اللحظة، تفقد المؤسسات جزءا من مشروعيتها الرمزية، ويتراجع دور الوسائط التقليدية في تأطير النقاش، ليحل محلها الشارع كفضاء وحيد للتعبير. وهنا لا يعود الاحتجاج خيارا، بل نتيجة طبيعية لانسداد قنوات التواصل.
المشكلة إذن ليست في وجود اختلاف في الرأي، بل في غياب آليات تدبير هذا الاختلاف. لأن السياسة، في جوهرها، ليست فقط اتخاذ قرارات، بل القدرة على إقناع المجتمع بها، أو على الأقل فتح المجال لمناقشتها.
وحين يغيب هذا البعد، يصبح الصمت في حد ذاته موقفا سياسيا، لكنه موقف مكلف، لأنه يفهم غالبا على أنه تجاهل، لا كحكمة.
