عودة الجغرافيا السياسية الصلبة: كيف يعاد تشكيل العالم وما موقع الدول المتوسطة فيه؟

 

ai

إن العالم اليوم لم يعد يدار وفق القواعد التي سادت بعد نهاية الحرب الباردة. فخلال السنوات الأخيرة ومع تسارع الأزمات والحروب، عاد منطق القوة الصلبة ليفرض نفسه بقوة: السلاح، الطاقة، الغذاء، والموقع الجغرافي. وهي عناصر أعادت رسم أولويات الدول، وأربكت التحالفات، ووضعت الدول المتوسطة والنامية أمام اختبارات غير مسبوقة. 

ولسنوات طويلة، ساد اعتقاد بأن المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، والعولمة الاقتصادية، تشكل مظلة ضامنة للاستقرار. غير أن الوقائع الميدانية اليوم تقول عكس ذلك. 

إن الحروب لم تعد استثناء، بل أداة سياسية. والعقوبات تحولت إلى سلاح استراتيجي، ثم التحالفات لم تعد قائمة على القيم بل على المصالح الآنية. وهو ما يجعلنا نعيش في عالم ما بعد القواعد. 

أما النظام الدولي الحالي يعيش مرحلة تفكك بطيء حيث يتمثل ذلك في شلل مجلس الأمن وعجز المنظمات الدولية عن فرض حلول. والأحدث هو أن القوى الكبرى باتت تتصرف بشكل أحادي، حتى وإن خالفت القواعد التي وضعتها بنفسها. 

وأمام هذا الوضع، فإن إفريقيا لم تعد ساحة خلفية، بل أصبحت مسرحا مباشرا للتنافس الدولي لما تحتويه من موارد الطبيعية، ممرات البحرية، معادن الاستراتيجية، والموقع الجيوسياسي الذي يجعل من القارة محور صراع غير معلن. 

إن ما يحدث في الساحل الإفريقي من عودة الانقلابات العسكرية، وتراجع النماذج الديمقراطية، لا يمكن فصله عن صراع النفوذ بين قوى دولية، وفشل المقاربات الأمنية التقليدية، واستغلال الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية. وبالنتيجة، فرغم بحث دول إفريقية عن سيادتها تجد نفسها أحيانا في قلب معادلات أكبر منها، وهذا ما ينقلها من الهامش إلى قلب الصراع. 

في السياق نفسه، تجد الدول المتوسطة نفسها في اختبار التوازن الصعب يتمثل في سؤال جوهري: كيف تحمي مصالحها دون أن تستدرج إلى صراعات كبرى؟ 

إن هذه الدول لا تملك ترف المواجهة، ولا رفاهية الحياد الكامل، بل تحتاج إلى فك الارتهان لمحور واحد وتنويع الشراكات، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي، والاستثمار في الاستقرار الداخلي كخط دفاع أول. 

وفي ظل هذه التحولات الدولية، وفي إطار قراءة براغماتية فالمغرب يقدم كنموذج دال. فهو يمثل بلد متوسط يشتغل داخل هذه التحولات بحذر استراتيجي. فهو يتحرك في بيئة إقليمية مضطربة، ويتعامل مع ملفات سيادية حساسة، في وقت يشهد فيه العالم تغيرا في موازين القوى. والرهان المغربي اليوم لا ينحصر في كسب مواقف دولية، بل في تحصين القرار الوطني وربط السياسة الخارجية بالتنمية، والاستقرار، والموقع الجغرافي. 

كما لم تعد الأسئلة الكبرى تدور حول من هو على حق، بل حول من يملك القوة المتجسدة اليوم في الموارد، والقدرة على الصمود. لذلك فإن الصحافة لم تعد ناقلا للأحداث فقط، بل أصبحت أداة لفهم التحولات، وتفسير ما يجري، وربطه بحياة الناس ومستقبلهم، لأن العالم يدخل مرحلة جديدة من اللايقين الاستراتيجي. 

قلم يسمع

إرسال تعليق

أحدث أقدم