يخلد المغرب اليوم ذكرى "عيد العمال" العالمي، في مشهد يطغى عليه مزيج من الرمزية التاريخية والترقب النقابي المشوب باحتقان اجتماعي ملموس.
وتأتي احتفالات هذه السنة لتسلط الضوء على المسار الطويل للحركة العمالية المغربية، التي لم تكن مجرد صدى لتقاليد أوروبية، بل ولدت من رحم المعاناة والاحتكاك بالعمل النقابي إبان فترة الحماية.
وتستحضر الذاكرة التاريخية بزوغ الإرهاصات الأولى للعمل النقابي سنة 1919، حين كانت القوانين الاستعمارية تجرم انخراط المغاربة في النقابات وتعتبره فعلا يستوجب السجن. ورغم هذا التضييق، انصهر النضال المهني في بوتقة الحركة الوطنية، حيث طالبت "كتلة العمل الوطني" منذ سنة 1934 بالمساواة في الأجور والحق في التنظيم النقابي.
وقد توجت هذه التضحيات في 20 مارس 1955 بتأسيس "الاتحاد المغربي للشغل"، كأول مركزية نقابية مستقلة، وهو ما منح ذكرى فاتح ماي ثقلا سياسيا تجاوز سقف المطالب المهنية ليصب في مجرى معركة الاستقلال والسيادة الوطنية.
ليتحول الأمر بعد معركة طويلة إلى "ترمومتر اجتماعي" دقيق لقياس موازين القوى بين السلطة والنقابات، وصارت شوارع المدن الكبرى، كالدار البيضاء والرباط، مسرحا للتعبير عن الوعي السياسي للطبقة العاملة، خاصة في محطات مفصلية كفترة الثمانينيات التي شهدت صراعات كبرى حول الإصلاح وتوزيع الثروة.
أما فاتح ماي، هذه السنة، يحل وسط سياق استثنائي، حيث تصاعدت حدة الضغوط السياسية والاجتماعية، وبرزت فجوة عميقة بين القواعد العمالية والقيادات النقابية. ورغم إعلان الحكومة عما وصفته بـ "الحصيلة الثقيلة" لنتائج جولات الحوار الاجتماعي 2024-2026، إلا أن نبض الشارع لا يزال يعكس حالة من عدم الرضا، مما يجعل من شعارات اليوم المرفوعة في الوقفات والمسيرات اختبارا جديدا لمدى قدرة "العقد الاجتماعي" على الصمود أمام تطلعات الشغيلة المغربية في الكرامة والعدالة.
