في لحظات التحول، لا تكون الأزمات وليدة الصدفة، بل نتيجة تراكمات صامتة لم تجد طريقها إلى الحل. هكذا يبدو المشهد اليوم في المغرب: مطالب اجتماعية متزايدة، ضغوط معيشية يومية، وشعور عام بأن قنوات التواصل بين المواطن والحكومة لم تعد تعمل بالكفاءة المطلوبة. هنا تحديدا، لا يكمن الخطر في وجود الاحتقان، بل في كيفية التعامل معه.
فالمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، رغم ما تحمله من جهود إصلاحية معلنة، تعكس واقعا مركبا. البطالة، خاصة في صفوف الشباب، لم تعد مجرد رقم في تقارير رسمية، بل تحولت إلى تجربة معيشة يومية تغذي الإحباط. ارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، واختلالات الخدمات العمومية في الصحة والتعليم، كلها عناصر تضع المواطن أمام معادلة صعبة: مطالب ملحة مقابل استجابة بطيئة أو غير مقنعة.
غير أن جوهر الإشكال لا يقف عند حدود السياسات العمومية، بل يتجاوزها إلى سؤال التواصل السياسي والإعلامي. فحين يغيب الخطاب الواضح، أو يستبدل بلغة تقنية باردة أو تبريرية، يشعر المواطن بأنه خارج دائرة الاهتمام، لا شريكا في النقاش. وفي مثل هذه السياقات، يتحول الصمت الرسمي أو التأخر في التفاعل إلى عامل مضاعف للأزمة، لأنه يفتح المجال أمام التأويلات، ويغذي فقدان الثقة.
والتاريخ القريب يبين أن الاحتجاجات الاجتماعية في المغرب غالبا ما تنطلق من مطالب معيشية محددة، لكنها سرعان ما تتوسع حين يغيب الحوار. وإذا استمر التعنت أو بطء الاستجابة، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا ليس الانفجار الفوري، بل التآكل التدريجي للثقة في المؤسسات. هذا التآكل أخطر من الاحتجاج ذاته، لأنه يضعف الوسائط السياسية، ويجعل الشارع الفضاء الوحيد للتعبير.
أما على مستوى السلم الاجتماعي، فإن استمرار هذا الوضع يفتح الباب أمام تحولات مقلقة. أولها انتقال الغضب من التعبير المنظم إلى أشكال أكثر حدة وعفوية، وثانيها اتساع دائرة الفئات المتضررة، وثالثها ترسخ شعور عام بعدم العدالة المجالية والاجتماعية. وفي مجتمع يشكل فيه الشباب نسبة كبيرة، فإن فقدان الأفق لا يبقى مسألة فردية، بل يتحول إلى قضية جماعية تمس الاستقرار.
لكن هذه الصورة ليست قدرا محتوما. فالمغرب يمتلك من الإمكانات السياسية والمؤسساتية ما يسمح بتدارك الوضع، شريطة إعادة ترتيب الأولويات. البداية تكون بإقرار واضح بحجم التحديات، ثم فتح قنوات تواصل صادقة وشفافة مع المواطنين، تليها إجراءات ملموسة تعيد الثقة تدريجيا، خصوصا في القطاعات الأكثر حساسية كالصحة والتعليم والتشغيل.
في النهاية، لا يقاس الاستقرار بغياب الاحتجاج، بل بوجود ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع. وحين تتحول هذه الثقة إلى رصيد مهدد، يصبح الصمت أخطر من الضجيج، ويغدو التعنت كلفة سياسية واجتماعية لا يمكن تحملها على المدى البعيد.
