أصبح القطب الشمالي في العقود الأخيرة مسرحا لتنافس جيوسياسي واقتصادي متصاعد بين القوى العالمية. فقد حذر مسؤولون أمريكيون من أن تغير المناخ أدى إلى ذوبان الجليد البحري وفتح طرق بحرية جديدة بالمنطقة، ما جعل السواحل القطبية طريقا مختصرا للتجارة العالمية وغنى بموارد طاقة ومعادن ثمينة. وبلغ الأمر أن وزارة الدفاع الأمريكية وصفت القطب الشمالي بأنه "حيوي لحماية الأمن القومي الأمريكي وسيادته" في ظل هذه التحولات. وتوجد في المنطقة ثمانية دول ذات سيادة: الولايات المتحدة عبر ألاسكا، روسيا، كندا، النرويج، الدنمارك من خلال غرينلاند، إضافة إلى السويد وفنلندا وآيسلندا، وجميعها تسعى لحماية مصالحها من نفط وغاز ومعادن ثم الاعتبارات الأمنية المرافقة.
ومع تصاعد الدور الروسي والصيني، وسعيالدول الغربية إلى موازنة الموقف، تحول القطب الشمالي تدريجيا من «منطقة تعاون منخفضة التوتر» إلى ساحة تنافس وثيقة. فقد أظهرت التقارير الأمريكية أن روسيا أعادت تنشيط نحو 14 مهبطا طيرانيا و6 قواعد عسكرية وإعادة تأهيل 16 ميناء ساحليا سابقا في القطب الشمالي بحلول 2019. بالمقابل، عززت الولايات المتحدة حيازتها مثل محطة بيتوفيك الفضائية في غرينلاند، وبنيتها التحتية الباردة المتمثلة في ثلاث قاطرات جليدية فقط. وفي سنة 2024 أعلنت واشنطن تشكيل فريق للتفاوض مع كندا حول الحدود البحرية المتنازع عليها في بحر بوفورت بحثا عن الثروات المستقرة تحت القاع.
إن هذه العوامل وغيرها شكلت "نزاعا خفيا" في القطب الشمالي، ليس نزاعا عسكريا مفتوحا بالمعنى التقليدي، بل منافسة استراتيجية دولية على النفوذ والموارد وفتح المسارات البحرية. سنستعرض فيما يلي الجوانب الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية والبيئية لهذا التنافس في القرنين العشرين والحادي والعشرين، مع التركيز على معلومات غير شائعة أو حوادث ذات تغطية إعلامية محدودة.
الخلفية القانونية و التطورات التاريخية:
خلال الحرب الباردة، كان القطب الشمالي فعليا جبهة استراتيجية بين القوات الأمريكية والحلفاء من جهة، والاتحاد السوفييتي من جهة أخرى. ومع انتهاء الصراع ثبتت بعض الاتفاقيات مثل معاهدة سفالبارد 1920 التي منحت النرويج السيادة مع احتفاظ المتعاقدين بحقوق اقتصادية متساوية. ومع دخول قانون البحار العالمي حيز التنفيذ - اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار- حددت دول المحيط القطبي أحكاما بحرية أهمها الـ200 ميل بحرية ونظام امتداد القارات. وقد أتاح هذا للدول المطلة تقديم مطالب لأحواض بحرية إضافية، حتى 350 ميلا، إذا أثبتت امتداد قارة قاعها تحت المياه. ومن ثم زادت التداخلات حيث ادعت روسيا امتداد القارة امتدادا يشمل كامل حيد لومونوسوف وصولا إلى القطب الشمالي، بينما تدعي كل من كندا والولايات المتحدة زوايا أخرى في بحر بوفورت شمال يوكون. كما استمر النزاع الثنائي الرمزي بين كندا والدنمارك على جزيرة هانز (التي حل مؤخرا باعتبارها منقسمة بينهما).
لكن أبرز مثال على التعقيد القانوني هو ما كان يعرف بـ(حرب الويسكي) Whisky War وهو: نزاع ودي بين كندا والدنمارك حول جزيرة هانز منذ 1973، أفضى أخيرا في 2022 إلى تسوية تقسم الجزيرة بخط حدودي. وبهذا النزاع البسيط يكشف كيف يمكن حتى للنقاط الصغيرة أن تتراكم إلى قضايا دولية.
ولمواجهة هذه الخلافات، دعت دول الشمال الجليدي إلى التعاون عبر منظمات كـالمجلس القطبي (عقد أول اجتماع له سنة 1996) إلا أن أزمة أوكرانيا جمدت نشاطه تقريبا، وبدت المسارعة نحو الحسم مزدوجة عبر فتح جبهات تفاوض رسمية (كما في بحر بوفورت) بينما تقوم الدول بتعزيز سيادتها فعليا عن طريق البنية التحتية والدفاع الجوي والبحري في المناطق المتنازع عليها.
إن القضايا الجيوسياسية في القطب الشمالي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمطالب البحرية والحدود.
![]() |
| (الشكل أعلاه: توزيع تركز الجليد البحري الصيفي 1990 مقابل الربيعي 1991 في القطب الشمالي، وفق بيانات ناسا. الخط الأصفر يبين متوسط كثافة الجليد للفترة 1981–2010.) |
وفي أعقاب التغير المناخي، أصبح الجليد البحري الصيفي أقل بكثير من المتوسط التاريخي، ما دفع الدول المطلة إلى استنفار دبلوماسي وجغرافي. كما تطالب روسيا منذ 2001 (وبتحديث للمطالبة سنة 2015) بامتداد منطقتها الاقتصادية ليشمل حيد لومونوسوف والشق القطبي الأوسط، لتأمين حقها الحصري بالموارد تحت قاع البحر. وردت كندا والدنمارك بإشارات أنها ستدافع عن أطروحتها في هذا الشأن، بينما دعت الولايات المتحدة إلى الالتزام بالقانون الدولي ورفضت التصديق على الاتفاقية ذاتها حتى الآن. أما النرويج، فتدير أرخبيل سفالبارد بعناية لتجنب أي خرق لمعاهدة 1920، لكنها في الوقت نفسه عززت سيطرتها على الصيد والتعدين في المناطق الاقتصادية المحيطة بأراضيها. وأدت هذه الخلافات إلى تشكيل لجان مشتركة كفريق العمل الأمريكي-الكندي لبحر بوفورت، ومحاولات لحلها دبلوماسيا، خصوصا مع تدفق وجود الصين والسعي إلى إقامة طرق شحن جديدة.
فيما يلي جدول يبسط تقديرات الموارد غير المكتشفة في الأحواض القطبية الرئيسية (نفط وغاز)، وفق تقديرات مركز المسح الجيولوجي الأمريكي:
| الحوض القطبي | النفط المستكشَف (مليار برميل) | الغاز (تريليون قدم³) | السوائل الغازية (مليار برميل) | الإجمالي (مليار برميل مكافئ) |
|---|---|---|---|---|
| حوض غرب سيبيريا West Siberian | 3.66 | 651.5 | 20.33 | 132.57 |
| قطب ألاسكا القطبي Arctic Alaska | 29.96 | 221.4 | 5.90 | 72.77 |
| شرق بحر بارنتس East Barents | 7.41 | 317.56 | 1.42 | 61.76 |
| صدع شرق غرينلاند Rift Basin | 8.90 | 86.18 | 8.12 | 31.39 |
| حوض ينيساي-خاتانغا Yenisey- | 5.58 | 99.96 | 2.68 | 24.92 |
| Amerasian Basin | 9.72 | 56.89 | 0.54 | 19.75 |
| غرب غرينلاند – شرق كندا | 7.27 | 51.82 | 1.15 | 17.06 |
بهذا الجدول يتضح حجم الثروات الكامنة في أعماق القطب الشمالي: تقدر منظمة USGS أن المنطقة تحتوي على نحو 13% من نفط العالم غير المكتشف و30% من غازه. وقد جرت الجولات المكوكية حول هذه الأرقام في قمم مختلفة، ما زاد الضغط على الدول لتأمين أطماعها قبل الآخرين، خصوصا وأن جزءا كبيرا من هذه الموارد يقع في مناطق بحرية لم يتم استكشافها بعد.
أما في الجانب العسكري والأمني ومع تصاعد التنافس، تبذل الدول تعزيزات عسكرية لدعم مواقفها القطرية. على سبيل المثال، أعادت روسيا فتح قواعد عسكرية سوفيتية قديمة منتشرة في أقصى الشمال (مثل القواعد الثلاثية “Trefoil” في جزر فرون)، وأنشأت مطارات جديدة على جزر وكيب (Wrangel Island، Schmidt، Kotelny) ودعمت أسطولها الشمالي بحوالي 120 سفينة حربية منها 40 كاسحة جليد بحلول 2019. وحظيت هذه الاستعدادات بمراقبة الدول الغربية، التي رأت فيها محاولة لتعزيز النفوذ وتأمين طرق الشحن والمحروقات. وبالمقابل، اكتشف الأميركيون فجوة في قدراتهم: قاطرتي جليد بحريين فقط (Healy وPolar Star) مقارنةً بعشرات تملكها روسيا والصين، ولذا أعلن البنتاغون خططا لإضافة قاطرات جديدة وبناء بنى تحتية دفاعية في ألاسكا وشمال أوروبا.
![]() |
| (الخريطة أعلاه: مواقع القواعد العسكرية الروسية في القطب الشمالي. تشير أيقونات الطائرات والقوارب والمناطق المحصنة إلى مواقع الإنشاءات الدفاعية التي قامت بها موسكو لتأمين حدودها القطبية) |
وقد أدى هجوم روسيا على أوكرانيا سنة 2022 إلى تكثيف التعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو؛ فالسويد وفنلندا انضمتا حديثا إلى الحلف، ووقعت مناورات بحرية وجوية مشتركة بشكل دوري شمالا. وأعلن كبار القادة الأمريكيون أنهم مستعدون لحماية طرق بحرية شمال الأطلسي وألاسكا، بينما ردَ المسؤولون الروس بأن القطب الشمالي يجب أن يبقى منطقة نفوذ روسي تقليدي.
بل حتى الإعلام والحروب المعلوماتية دخلت المعركة؛ إذ رصدت أجهزة غربية ترويج المخابرات الروسية روايات مضللة مثل ادعاءات بإنشاء قواعد بيولوجية أمريكية في سفالبارد، واستغلال توترات تاريخية لكسب تأييد الرأي العام ضد الحلفاء. كما شهدت غرينلاند (اقليم دانماركي حكمه ينمو) تدخلات إخبارية تستهدف إثارة خلافات بين كوبنهاغن ونووك حول إدارة الثروات الطبيعية وحقوق السكان الأصليين. كل هذه المؤشرات تدل على أن البعد الأمني في المنطقة لم يعد يقتصر على الوجود التقليدي، بل امتد ليشمل الأبعاد السيبرانية والإعلامية أيضا.
أما في الجانب الاقتصادي، فالقطب الشمالي يزخر بمخزن هائل للطاقة والموارد الثمينة، وهو ما يفسر الاهتمام القوي به. فقد قدرت دراسات أمريكية أن الأحواض القطبية السبعة الكبرى تحتضن معا 360 مليار برميل مكافئ من النفط والغاز، معظمها غاز طبيعي. أضف إلى ذلك رواسب معادن نادرة (خصيصا في غرينلاند) والسمك والموارد البحرية الأخرى.
وقد أسهم ذوبان الجليد في فتح مسارات بحرية جديدة أقصر مما كانت عليه سابقا، ففي الصيف يمكن الآن عبور سفن الشحن من الشرق الآسيوي إلى أوروبا عبر شمال سيبيريا (الممر الشمالي الشرقي) أسرع بكثير من طريق السويس التقليدي. ومن هنا يرى المحللون أن اقتصاديات المنطقة لن تقف عند النفط والغاز فحسب، بل تشمل السياحة الاستكشافية والصيد ووقفات سلع إلى الأسواق الآسيوية، وهي عناصر تزيد التنافس تعقيدا بين الدول.
وأشارت التقارير أن الموارد نفسها تشكل عوامل جذب مباشرة. فمثلا، تؤكد Geology.com أن البيئة القاسية تضاعف كلفة الاستكشاف في القطب الشمالي، إلا أن "الثروات الضخمة وارتفاع أسعار النفط" يجعلان الشركات مستعدة للاستثمار. الشكل أدناه يبرز مثالا للبنية التحتية المرتبطة باستخراج النفط في المنطقة: بناء طريق جليدي مؤقت يصل إلى منصة حفر بحري.
![]() |
| (الصورة أعلاه: طريق جليدي إلى منصة حفر نفط في منطقة قطبية. رغم الصعوبات الشديدة، تجذب الموارد القطبية شركات الطاقة العالمية للاستثمار) |
هذا الاهتمام جعل القوى الكبرى تتنافس لتمكين شركاتها. فمن جهة، استثمرت روسيا في شبكات خطوط أنابيب غاز جديدة تمتد شمال بلادها، بينما وقعت كندا ودول حلف الناتو اتفاقيات تسهيل تنقيب النفط في أراضيها القاحلة. ومن جهة أخرى، يراقب العالم أيضا مشاريع لربط الممر الشمالي مع طرق النقل الصينية ضمن ما يعرف بـ«طريق الحرير القطبي» الصيني، فضلا عن الأبحاث عن المناجم في القطب (كاليورانيوم والذهب والليثيوم في غرينلاند)، وهو ما يثير مخاوف القوى الغربية من تبعية موارد الطاقة ووسائل الشحن للدول المنافسة.
وللمناخ وتقلباته دورا محوريا في هذه المنافسة حيث تتزايد نسبة الاحترار في القطب الشمالي بوتيرة أكثر من غيرها؛ والبيانات تشير إلى أن معدل فقدان الجليد البحري يقدر بنحو 13% لكل عقد خلال العقود القليلة الماضية. هذا الذوبان لا يؤثر فقط على المناخ العالمي بل يحول القطب إلى بوابة اقتصادية من خلال طرق شحن وموارد كانت بعيدة المنال باتت في متناول اليد. مع ذلك، يحمل الاهتمام القطبي مخاطر بيئية كبيرة؛ فقد تنعكس زيادة التنقيب والنقل على أنظمة بيئية هشة وسكان أصليين يعيشون في القطب. لذلك من هذا المنطلق، يحاول بعض الخبراء تحويل المنافسة إلى تعاون؛ فقد اقترح باحثون تشكيل لجنة أممية خاصة لحل النزاعات القطبية وتنسيق حماية البيئة، إلا أن ديناميات الثقة المتآكلة بين روسيا والدول الغربية تعقد تحقيق هذا الهدف.
وفي الجانب البيئي قد برزت نتائج محدودة مثل عمليات بحث علمية ضخمة لمراقبة التغذية الحرارية وتيارات الهواء. فعلى سبيل المثال، وجد العلماء أن ذوبان الغطاء الجليدي قد يسرع امتصاص غازات دفيئة محلية (مثل الميثان من طبقات التربة المتجمدة)، مما يزيد من احترار المناخ. ومع أن هذه الجوانب التقنية لم تحظ بتغطية واسعة في الإعلام الشعبي، فإنها تضاف إلى أسباب تأجيج التنافس، فكل دولة تسعى لتقييم خططها الاقتصادية مع الأخذ بالاعتبار التغيرات البيئية المتسارعة.
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)