تعيش إيران منذ أسابيع واحدة من أكثر المراحل توترا في تاريخها الحديث، في ظل تداخل أزمات داخلية حادة مع ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة، ما يضع البلاد أمام سيناريوهات مفتوحة على احتمالات معقدة.
وشهدت مدن إيرانية عديدة موجة احتجاجات متواصلة، وصفت بأنها الأوسع منذ سنوات، اندلعت على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية وتراجع القدرة الشرائية واحتقان سياسي متراكم. فقابلت السلطات هذه التحركات بتشديد أمني ملحوظ، شمل انتشارا واسعاً للقوات، واعتقالات جماعية، إضافة إلى فرض قيود صارمة على الإنترنت ووسائل الاتصال، ما صعب من عملية توثيق حجم الاحتجاجات والخسائر البشرية بدقة.
وقد أثارت تقارير عن صدور أحكام قضائية قاسية بحق بعض المتظاهرين، من بينها أحكام بالإعدام، موجة انتقادات دولية واسعة، دفعت بعض الأطراف إلى التحذير من تداعيات إنسانية وسياسية خطيرة في حال المضي في تنفيذها.
على الصعيد الاقتصادي، تواجه إيران أزمة عميقة تتجلى في تراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم، واتساع رقعة الفقر، فضلا عن نقص في بعض المواد الأساسية.
ويرى مراقبون أن هذه الأزمة تمثل أحد المحركات الرئيسية للاحتجاجات، في ظل استمرار العقوبات الدولية وضعف الاستثمارات وتراجع عائدات النفط، ما يحد من قدرة الحكومة على امتصاص الغضب الاجتماعي.
وقد تم تدويل التطورات الداخلية في إيران حيث لم تبق شأنا محليا، إذ انتقلت إلى الساحة الدولية، حيث ناقش مجلس الأمن الوضع الإيراني خلال جلسات خاصة، وسط انقسام واضح بين الدول الأعضاء حول كيفية التعاطي مع الأزمة. وفي المقابل، صدرت تصريحات وتحذيرات من عواصم غربية بشأن أوضاع حقوق الإنسان في البلاد، مع تلويح بخيارات دبلوماسية وضغوط إضافية إذا استمر التصعيد الداخلي.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة توترا متزايدا، مع استمرار الخلافات حول الملف النووي الإيراني، وتصاعد التراشق السياسي بين طهران وخصومها الإقليميين. وتحاول الدبلوماسية الإيرانية التحرك على أكثر من جبهة، من خلال اتصالات إقليمية مكثفة، في مسعى لاحتواء الضغوط ومنع انتقال الأزمة إلى مواجهة خارجية مفتوحة.
وفي مؤشر على خطورة الوضع، أصدرت عدة دول تحذيرات لمواطنيها المتواجدين في إيران، دعتهم فيها إلى توخي الحذر أو مغادرة البلاد عند الإمكان. كما تسهم أزمات أخرى، مثل شح المياه وتدهور الخدمات في بعض المناطق، في تعقيد المشهد وزيادة الاحتقان الشعبي.
إن إيران تقف اليوم أمام وضع داخلي هش يتقاطع مع ضغوط خارجية غير مسبوقة. وبين محاولات السلطة فرض الاستقرار بالقوة، واستمرار السخط الشعبي، يبقى مستقبل المشهد الإيراني رهين بتطورات الأيام المقبلة، وما إذا كانت ستفضي إلى تهدئة محسوبة أو إلى مزيد من التصعيد الداخلي والدولي.
