"حرب الطاقة".. المغرب مستفيد أم متضرر؟

حرب الطاقة

يشكل إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من نيودلهي عن استمرار تدفق النفط الروسي نحو الهند، تحديا جيوسياسيا يتجاوز العلاقات الثنائية، ليضرب في عمق نظام العقوبات الغربي ويهدد بإعادة تشكيل موازين القوى في سوق الطاقة العالمي.

وتكشف هذه الخطوة عن استراتيجية روسية تعتمد على "إعادة توجيه البوصلة" نحو الشرق، حيث تتحول الهند والصين إلى أكبر المستهلكين للخام الروسي، مما يفرغ العقوبات الأمريكية والأوروبية من محتواها الفعلي، ويحافظ على تدفق الإيرادات لتمويل الآلة العسكرية في أوكرانيا.

ويثير هذا التقارب الروسي-الهندي قلق واشنطن، إذ تخشى الإدارة الأمريكية أن تتحول الهند إلى "ممر خلفي" لتبييض النفط الروسي عبر تكريره ثم إعادة تصديره إلى الأسواق العالمية (بما فيها الأوروبية) كمنتجات هندية، وهو ما يخلق ثغرة هائلة في جدار الحصار الاقتصادي.

المغرب، مستفيد أم متضرر؟

تنعكس هذه التحولات العالمية بشكل مباشر على الاقتصاد المغربي، الذي يستورد أكثر من 90% من حاجياته الطاقية، وذلك عبر ثلاث زوايا رئيسية:

- استقرار الأسعار العالمية: يضمن استمرار تدفق النفط الروسي (ولو عبر الهند) عدم حدوث شح في المعروض العالمي. فلو نجحت واشنطن في خنق الصادرات الروسية تماما، لـ قفزت أسعار البرميل إلى مستويات قياسية قد تتجاوز 100 دولار، وهو ما سيثقل كاهل ميزانية الدولة المغربية وصندوق المقاصة.

- تنويع الشركاء: تتيح هذه الفوضى الخلاقة في سوق الطاقة للمغرب هامشا للمناورة، حيث يعتمد المغرب سياسة تنويع الشركاء، وقد يستفيد من توفر منتجات مكررة في السوق الدولية بأسعار تنافسية نتيجة لهذه التحولات في مسارات الشحن.

- فاتورة التضخم: يرتبط معدل التضخم في المغرب ارتباطا وثيقا بأسعار المحروقات. وبالتالي، فإن أي سيناريو يؤدي إلى بقاء النفط الروسي في السوق يصب في مصلحة القدرة الشرائية للمواطن المغربي، ويخفف الضغط على تكاليف النقل والإنتاج الصناعي والفلاحي.

وتبقى العيون شاخصة نحو رد الفعل الأمريكي، فهل ستجازف واشنطن بفرض عقوبات ثانوية على الهند أم ستغض الطرف لتفادي انفجار أسعار الطاقة عالميا، وهو الانفجار الذي لن ينجو منه أحد، بما في ذلك الاقتصاد المغربي.

وحسب لغة الأرقام نقدم قراءة لفاتورة الطاقة المغربية في سنة 2025 حيث تعزز الأرقام الرسمية الصادرة عن المؤسسات الوطنية طرح "الاستفادة غير المباشرة" للمغرب من وفرة المعروض العالمي للنفط (الذي يغذيه التدفق الروسي)، وتتجلى ذلك في المؤشرات التالية:

- تراجع الفاتورة الإجمالية حيث سجلت فاتورة الطاقة للمغرب انخفاضا ملحوظا بنهاية أكتوبر 2025، حيث بلغت حوالي 91 مليار درهم، مسجلة تراجعا بنسبة 4.4% مقارنة بنفس الفترة من سنة 2024.

- معادلة "السعر مقابل الكمية" حيث يكشف مكتب الصرف عن مفارقة مثيرة تؤكد انخفاض الأسعار العالمية؛ فرغم ارتفاع الكميات التي استوردها المغرب من الغازوال والفيول بنسبة 8.1% (لتلبية الطلب الداخلي المتزايد)، إلا أن تكلفتها المالية انخفضت بنسبة 9.2%، بفضل تراجع متوسط الأسعار في السوق الدولية بنحو 16%.

- تنفس صندوق المقاصة حيث انعكس هذا الهدوء في الأسواق العالمية إيجابا على ميزانية الدولة، حيث تراجعت كلفة دعم غاز البوتان في الأشهر الثمانية الأولى من 2025 بنسبة 17% لتستقر عند 8.5 مليار درهم، مع انخفاض متوسط الدعم للقنينة الواحدة (من فئة 12 كلغ) إلى حوالي 53.5 درهم.

وتؤكد هذه الأرقام، أن استمرار تدفق النفط الروسي نحو الأسواق الآسيوية (الهند والصين) قد لعب دور "المهدئ" للأسعار العالمية، مما جنب نزيفا كان ليكون حادا لو نجحت العقوبات الغربية في خنق الإمدادات الروسية بالكامل.

قلم يسمع

إرسال تعليق

أحدث أقدم