حين تتحول آليات الحكم إلى أدوات انتقام

المجلس الوطني للصحافة


عندما تحدث الملك محمد السادس في إحدى خطاباته عن معضلة المغرب، كان قد رسم معالم دقيقة لوضعه بوصفه بلدا يسير بسرعتين، واحدة تدفع نحو البناء والإصلاح، وأخرى تتباطأ تحت ثقل الامتيازات والمصالح الضيقة. 

وحقيقة، إن هذا الخطاب لم يكن مجرد توصيف اقتصادي أو إداري، بل كان تشخيصا عميقا لخلل في العقل المؤسساتي نفسه، ذاك الذي يفترض أن يكون حارسا للمصلحة العامة فإذا به يتحول إلى أداة لتمكين فئة محدودة من النفوذ. 

 عندما حذر المفكر حسن أوريد منذ سنوات عن خطر "الدولة داخل الدولة" بمعنى: عندما يتجاوز بعض الأشخاص المؤسسات ويحولونها بشكل من الأشكال إلى امتداد لسلطتهم الشخصية، يبدو أن المفكر أوريد كان يستشرف لحظة كهذه: لحظة يصبح فيها جهاز أو مجلس أو هيئة لا أداة للتحكم الرشيد العاقل والعادل، بل مسرحا لتصفية الحسابات وفرض النفوذ من خلف الأبواب المغلقة. 

واليوم نعيش مفارقة لابد من الانتباه إليها، وهو المرور من خطاب الإصلاح إلى واقع الانتقام، كيف ذلك؟ لم تمر أيام على إعلان عيد الوحدة الوطنية ودعوة الملك الى المصالحة، حتى مع من وقعنا معهم في نزاع  بالسلاح، حتى تفجرت في الساحة الإعلامية الرقمية فضيحة موثقة بالصوت والصورة بين أعضاء اللجنة المؤقتة من داخل مجلس الصحافة، يظهر تداولا داخليا مؤامراتيا حول موضوع أحد الصحفيين الزملاء. 

إن ما ظهر في التسجيل لم يكن مجرد تداولا سليما أو جدلا مهنيا، بل خروقات جسيمة سواء على مستوى الشكل أو الموضوع، والأخطر توريط القضاء واستعماله في تصفية حسابات شخصية. 

وبهذا التسريب، ينكشف وجه آخر من "السرعتين" التي تحدث عنها الملك: سرعة رسمية تسعى إلى بناء مؤسسات قوية وعادلة، وسرعة موازية تتحرك في الظل، تدير الشأن العام بعقلية انتقامية لا مؤسساتية. 

ولأنه ليس من المفترض في المجلس أن يكون حاميا لأخلاقيات المهنة فقط، بل أيضا الحفاظ على حقوق الزملاء الصحفيين، لذلك فإن ما جرى داخل المجلس، هو انحراف مؤسساتي يعبر عن أزمة أعمق: ثقافة استغلال السلطة بدل خدمتها. لأنه حين تصبح آليات فض النزاع كالتحكيم، والمجالس التأديبية، والهيئات المستقلة، أدوات لمعاقبة الخصوم، فإننا لا نكون أمام خلل فردي، بل أمام تفتت وتآكل في مفهوم الدولة الحديثة نفسها ليست فقط قضية رأي عام أو مسألة خلاف مهني أو شخصي. 

إن العدالة، في جوهرها، ليست انتصارا  لطرف على آخر، بل بحث عن الحقيقة والإنصاف. لذلك إذا فقدت الثقة في الكل، فلا يجب أن تفقد في العدالة لأنها ملجأ الجميع. لكن حين تتسلل الحسابات الشخصية والسياسية إلى المؤسسات، تتحول هذه الأخيرة إلى محاكم ظل تمارس الإقصاء والتشهير باسم القانون أو المهنية. 

إن الخطير في الأمر إن هذا التحول لا يتم فجأة، بل يبدأ بخطوات صغيرة: اجتماع مغلق، قرار مسيس، تسريب محسوب، تغاضي عن المخالفة، الإشادة بشيء خارج القانون.. إلخ، ثم يتحول الأمر إلى نظام مواز لإدارة الشأن العام خارج القانون والشفافية. وهنا تماما، تنشأ "الدولة داخل الدولة" التي نبه إليها المفكر أوريد: بنية موازية لا تحتاج إلى إعلان رسمي، بل تكتفي بخلق مناخ من الخوف والتطويع. 

إن استخدام القضاء أو المجالس المهنية لتصفية الحسابات يدمر الركيزة الأولى لبقاء الدولة وهي الثقة.  والمواطن الذي يرى العدالة تستعمل ضد الأبرياء، والمؤسسات تستغل للانتقام، يفقد إيمانه بالمؤسسة كلها. ومن دون ثقة، لا تنمية ولا إصلاح، بل فقط فراغ يملؤه الغضب والشك. 

يبدو أن الحل يتجسد في الإجابة عن سؤال : إلى أين تتجه المؤسسات إذا غاب العقاب؟ ماذا لو مرت هذه التجاوزات والخروقات من دون محاسبة حقيقية؟  

إن الجواب واضح وصريح وأيضا مخيف: سنكون أمام سابقة تسمح لأي جهاز أو مجلس أن يتحول إلى سلطة مطلقة على الناس و عندما تتلاشى الحدود بين الصلاحية والانتهاك فنحن نطبع مع الانحراف. 

إن عدم التعامل  مع ما جرى داخل مجلس الصحافة كجريمة مؤسساتية ينعكس على شرعية كل هيئات الضبط والمساءلة بالتاكل. وسنخرج من الفترة الانتقالية حيث سنعود، تدريجيا بسرعة أكبر، إلى زمن الظلام بدل الضوء. 

ومن المؤسف القول أن الخطر ليس في بطء السرعة الثانية، بل في وجهتها حيث تتجه نحو الهدم لا الإصلاح. 

إن السؤال اليوم ليس حول سرعة السير وإنما هل نسير إلى الأمام حقا أم نعود أدراجنا إلى ماض كنا نظن أننا تجاوزناه. 

قلم يسمع


إرسال تعليق

أحدث أقدم