بين التوظيف الرمزي وإكراهات الجوار.. قراءة استراتيجية في زيارة ملك إسبانيا لسبتة المحتلة

اسبانيا

تعيد الزيارة التي قام بها العاهل الإسباني فيليبي السادس، رفقة عقيلته الملكة ليتيثيا، إلى مدينة سبتة المحتلة، يوم أمس الثلاثاء، في أول خطوة من نوعها لرأس الدولة الإسبانية منذ نحو عقدين من الزمن، خلط أوراق التوازن الدبلوماسي بين الرباط ومدريد، متجاوزة الطابع البروتوكولي لتتحول إلى رسالة سيادية ذات أبعاد داخلية وإقليمية معقدة.

وقد سعى القصر الإسباني من خلال هذه المحطة غير المسبوقة، التي شملت لأول مرة مبيت الملك في المدينة قبل التوجه إلى مليلية، إلى تثبيت خطاب "الأمر الواقع" أمام الرأي العام الداخلي، لا سيما مع تشديد فيليبي السادس في كلمته على أن "السيادة والوحدة الترابية لإسبانيا غير قابلة للتفاوض"، في محاولة لامتصاص الانتقادات اليمينية وتهدئة الهواجس الأمنية الناتجة عن أزمات الهجرة المتكررة وضغوط السياجات الحدودية التي شهدتها المدينة خلال الصيف الماضي.

وتصطدم هذه الاستعراضات السياسية بحقائق التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي التي يرتكز عليها المغرب بثبات؛ إذ تؤكد القراءة الوطنية الرصينة أن تحركات الرموز السياسية، مهما بلغت حمولتها الإعلامية، لا يمكنها أن تمنح شرعية قانونية لاحتلال استعماري متقادم، ولا تسقط المطلب التاريخي للمملكة باسترجاع ثغورها المحتلة في سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما عبر الحوار الهادئ والتسوية التاريخية الشاملة.

كما تزامنت هذه الخطوة مع رسائل استراتيجية واضحة كان جلالة الملك محمد السادس قد رسم حدودها الصارمة في خطاب افتتاح البرلمان، حين شدد على أن الشراكة الثنائية "خيار سيادي والتزام إرادي لا يقبل أي ابتزاز أو مساومة"، معتبرا أن المنظومة الحالية لتدبير الهجرة أضحت متجاوزة، وأن إلقاء اللوم على الضفة الجنوبية أو الهروب إلى الأمام بزيارات رمزية لن يحل الإشكالات البنيوية المرتبطة بالأمن، والتنمية المشتركة، والاندماج الاقتصادي لغرب المتوسط.

ويفرض واقع الجوار الحتمي على مدريد إدراك أن الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي لمدينتي سبتة ومليلية لا يتأسسان عبر خطابات التصعيد أو الاحتماء بالأسوار، بل عبر شراكة استراتيجية حقيقية وندية مع الرباط تحترم الثوابت السيادية للمغرب ومصالحه العليا، بعيدا عن المزايدات الانتخابية التي تختزل مصير المنطقة في استعراضات ظرفية عابرة.

قلم يسمع

إرسال تعليق

أحدث أقدم