حين تفيض المياه.. وتغرق الحقيقة

الانسان والطبيعة

لم تفاجئ السيول المغرب، بل فضحتنا.

فضحت سنوات من تهميش البنية التحتية لتصريف المياه، خصوصا في القرى والدواوير، حيث كان الجفاف ذريعة مريحة لتعليق كل ما هو "غير مستعجل". وكأن الماء لا يعود، وكأن الطبيعة لا تنتقم من الإهمال.

لسنوات، جرى التعامل مع تصريف مياه الأمطار باعتباره كماليات هندسية، لا أولوية تنموية. النتيجة واضحة اليوم: أودية تتحول إلى أنهار فجائية، طرق تنقطع، بيوت تحاصر، وساكنة تترك في مواجهة الخطر إلى اخر دقيقة. هذه ليست "كوارث طبيعية" خالصة، بل كوارث "سوسيو-طبيعية" بامتياز.

إن الأخطر من غياب القنوات هو غياب شبكة وطنية حقيقية لتدبير الكوارث. لا منظومة إنذار مبكر فعالة، لا خرائط مخاطر ملزمة، لا ثقافة وقاية جماعية ولا حتى ملاجئ بيئية لخصوصية هذه المناطق. فقط تدخلات متأخرة، وبلاغات، وصور تلتقط بعد أن يكون الضرر قد وقع.

 نحن لا ندبر الكوارث… نحن نعلق عليها.

ومع ذلك، لا يمكن الاكتفاء بلوم الدولة وحدها.

فحين ترفض بعض الساكنة الإجلاء رغم التحذيرات، فنحن أمام مشكلة أخرى لا تقل خطورة: الاستهانة بالحياة. فلا يعقل أن تعرض الأرواح للخطر بدعوى "الاعتياد" أو "عدم الثقة" أو "حماية الممتلكات". في لحظة الخطر، يصبح هذا الرفض أنانية جماعية تربك عمليات الإنقاذ وتهدد حياة الجميع، بمن فيهم رجال الوقاية والسلطات.

صحيح أن السلطات مسؤولة لأنها أهملت الوقاية والاستباقية، لكن المواطن مسؤول أيضا  حين يرفض التعاون وتسهيل عمليات تدخلات السلطات حتى لا نلومها فيما بعد.

هذه الحقيقة المزعجة يجب أن تقال كما هي، دون تجميل ولا شعبوية.

إن المغرب اليوم لا يعاني فقط من سيول، بل من ثقافة تدبير أعطاب لا ثقافة منعها. ومن عقد اجتماعي هش يتجسد في تدخل السلطات بعد فوات الأوان، ومواطن لا يثق إلا حين يغرق.هذه مناشدة للمواطن لتغيير نمط فكره أكثر منه تسليط الضوء على تدخلات السلطات.

إذا كنا نعيش زمن التغير المناخي، فإن أول ما يجب أن يتغير هو طريقة تفكيرنا: لا تنمية بلا بنية وقائية، ولا حماية بلا شبكة كوارث، ولا إنقاذ بلا مواطن واع ومسؤول.غير ذلك، سنظل نعد الضحايا بعد كل مطر، ونسمي الفشل "قدرا".

قلم يسمع 

إرسال تعليق

أحدث أقدم